top of page

تسيّس الزلزال

الجزء الأول: عقبات إيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة في سوريا

اختر لغة لمراجعة الورقة



المساعدات إلى المناطق المتضررة في سوريا، داخل وخارج المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، قد تأخرت أو لم تصل على الإطلاق. تحدَّث تفن إلى أشخاص في جنديرس والشيخ مقصود وإدلب والساحل السوري (طرطوس واللاذقية) ومنظمات غير حكومية وأعضاء في هياكل الحكم المحلي في شمال سوريا والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (للحصول على صورة أوضح عن التطورات في سوريا في أعقاب الزلزال مباشرة. كما تحدثت إلى عمال الإغاثة للحصول على معلومات حول تنسيق وحركة المساعدات في أعقاب الصمدة الأولى.


كانت جميع المناطق المتضررة تقريبًا تعتمد على المبادرات المحلية والجهود الفردية. وجدت تفن خمسة أسباب رئيسية لتأخير أو عدم وصول المساعدات الخارجية إلى المناطق المتضررة من الزلزال في سوريا: تسيّس المساعدات ، وسوء التنسيق، والفساد، والتمييز.


هذه الورقة جزء من سلسلة من أوراق المناصرة التي ينشرها تفن في أعقاب الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا. تستند هذه الأوراق إلى معلومات الشهود في المناطق المتضررة، وتركز على الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للكارثة.


وجهات نظر من المناطق المتضررة

يصف هذا الجزء من الورقة الوضع في العديد من المناطق السورية كما رويت لـ تفن من قبل الناس على الأرض.

  • جنديرس

تُعتبر جنديرس، في منطقة عفرين، من أكثر المدن تضرّراً، حيث دُمِّر أكثر من ٢٥٠ مبنى. ومع ذلك، تأخرت وصول المساعدات إليها . في اليوم الأول ، شوهد تقديم المساعدة من قبل الدفاع المدني السوري ومن قبل عناصر بعض الفصائل مثل هيئة تحرير الشام ، لكنها عرقلت من قبل فصيلي فيلق الشام وجيش الشرقية. كما أشار شهود عيان إلى قيام فصائل مختلفة في جنديرس إلى نهب منازل الذين فرّوا إلى الشوارع. تم تقديم المساعدة الى جنديرس في المقام الأول من قبل الجهات الفاعلة المحلية ، مثل الأفراد والعشائر .


في وقت لاحق من ذلك اليوم ، وصل متطوعو الدفاع المدني السوري. وبحسب الشخص اتصلت به تفن، فقد تأخرت المساعدات للمواطنين لأن الفصائل في جنديرس أرادت الاحتفاظ بها لنفسها ولم تكن تريد فصائل أخرى من خارج المنطقة أن تقدم المساعدة فيما تعتبره مناطق سيطرتها.


ذكرت تقارير على الإنترنت أنه في اليوم الأول من الزلزال ، نقل الجيش الوطني السوري معدات ثقيلة من عفرين إلى تركيا. وعلى الرغم من أن الشهود على الأرض الذين تحدثوا إلى تفن أكدوا قيام الفصائل بنقل معدات ثقيلة ، إلا أنهم لم يتمكنوا من تأكيد أنه غادروا بالفعل إلى تركيا.


وفي اليوم الثاني من الزلزال ، وصل عدد من النازحين إلى القرى ونصبوا الخيَم حول جنديرس والمناطق المتضررة بالتنسيق مع الفصائل. عندما وصلت المساعدات ، تم توزيعها أولاً على هؤلاء الأشخاص الذين قاموا بعد ذلك بنقلها إلى الفصائل. لأنها تعلم أن آليات توزيع المساعدات تخضع للرقابة وأيضا جميع الأنظار تتوجه الى المناطق المنكوبة ، وبالتالي تلجأ إلى هذه الأنواع من الحيل فيما يُحرم المواطنون الأكراد من المساعدات بشكل واضح وتمييزي.

  • الشيخ مقصود

ولم يتلقَّ الشيخ مقصود ، وهو حيٌّ كرديّ في حلب تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية ، أي مساعدات منذ وقوع الزلازل. يعيش أهالي الشيخ مقصود في خوف شديد ، لا سيما وأن البنية التحتية بالأساس في الحي دمرت بسبب الحرب وبالإضافة الى أن الظروف المعيشية قاسية للغاية بسبب الحصار المفروض من قبل الحكومة السورية منذ سنوات.

وأعاقت القوات الحكومية السورية وصول المساعدات الى حي الشيخ مقصود وهي تمر حالياً بأزمة خبز ووقود. فالوضع فيها مرهون بالعلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية ، يُسمح أحيانًا بدخول البضائع والوقود إلى الحي. في بعض الأحيان يمكن للتجار جلب الخضروات من خلال رشوة الحواجز الموجودة ولكن بعد الزلزال لم يُسمح بدخول أي شيء.


قبل الزلزال كان الوقود المخصص لكل عائلة هو ٢٠٠ ليتر في الشتاء، ولكن بعد الزلزال وبسبب الحصار المفروض على الشيخ مقصود، تمتخصيص ٥٠ لتر فقط لكل عائلة، والباقي تم تخصيصه من أجل تحريك المعدات الثقيلة وتشغيل الأفران، وصفت المصادر حدوث ممارسات تمييزية عندما تعلق الأمر بتقسيم المساعدات الإنسانية ، حيث استغل المتنفذين الازمة للحصول على ميزات.


كانت المساعدات الإنسانية قبل الزلزال تأتي من الصليب الأحمر السوري بشكل دوري ،إلا أنها تقلصت مع مرور الوقت إلى أن وصلت الى علبة واحدة كل 8 أشهر مؤلفة من( ٥ زيت عباد شمس و ٢ كيلو سكر و ٤ كيلو حمص و ٥ كيلو أرز) لعائلة مكونة من 5 أفراد. أدى النقص في السلع في غضون ذلك إلى تضخم شديد. وصف الشخص الحالة أنه في حال وجود خيار الفرار إلى خارج سوريا ، فإن معظم الناس سيختارون القيام بذلك.

  • الساحل السوري

كانت مدينتا جبلة واللاذقية الأكثر تضرراً في الساحل السوري. تسبّب الزلزال في انهيار عشرات المنازل ومقتل المئات. قبل الزلزال اتخذت الحكومة السورية إجراءات لمواجهة العاصفة وانخفاض درجات الحرارة في المنطقة ، لكن لم يكن هناك استجابة أثناء التداعيات المباشرة للزلزال ، ولم تقدم أي دعم للمناطق المتضررة. مثل باقي المدن السورية ، اعتمد السكان على القدرات والمبادرات المحلية. تم إطلاق العديد من المبادرات المحلية للاستجابة لآثار الزلزال. ، على سبيل المثال، استجاب الهلال الأحمر السوري ومنظمة كوبا المنتسبة للكنائس بسرعة.


ووصلت مساعدات من بعض الدول المجاورة التي سارعت بالاستجابة ، مثل العراق الذي أقام جسراً جويا مع مدن دمشق وحلب ، ورغم ذلك تأخرت المساعدات في الوصول الى المدن المتضررة هذا التأخير كان بسبب البيروقراطية المحلية ، ولا سيما الأمنية. كما ساهم الفساد المستشري في مؤسسات الحكومة السورية بشكل كبير في إضعاف الاستجابة للزلزال. لكن السبب الرئيسي للتأخير يظل تسيُّس حكومة دمشق للزلزال لرفع العقوبات الاقتصادية عنها وإنهاء عزلتها الدولية.

  • إدلب

كما كان الحال في الأمثلة أعلاه ، تعرضت إدلب أيضًا لأضرار جسيمة بسبب الحرب قبل التدمير الإضافي للزلزال. ووصف الأشخاص الذين تواصلت معهم تفن في إدلب أن مديرية صحة إدلب شكلت في أعقاب الزلزال مباشرة فريق إدارة الأزمة وفعّلت خطاً ساخناً وشكلت فريقاً لتقييم الأضرار واحتياجات المدن والقرى المتضررة وأعادوا توزيع الإمدادات الموجودة بناءً على حجم الضرر والحاجة.


بعد هذه الاستجابة الأولى ، وصف الأشخاص الذين تواصلوا مع تفن أن وصول المساعدات إلى المدينة قد تأخر بسبب عوامل سياسية. حيث تقع إدلب في شمال سوريا وهي مقسمة بين هيئة تحرير الشام وتركيا والمنطقة التي تسيطر عليها الحكومة السورية. وبينما كانت تركيا تركز على الأضرار التي لحقت بها ، حاولت الحكومة السورية استخدام الوضع لصالحها للحصول على اعتراف دولي من خلال إجبار المساعدات على الوصول إلى المناطق المتضررة فقط من خلال قنواتها الرسمية.


في المراسلات التي أجراها شخص مع المؤسسات الدولية مثل اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية ، برروا تأخر تدفق الإمدادات الصحية أولاً لأسباب بيروقراطية ، ثم بسبب الطرق المتضررة ، وأخيراً تم إعطاء إغلاق الحدود كسبب للتأخير في المساعدة.


تم تقديم وعود بالمساعدة من قبل منظمة IHH التركية الإنسانية ، لكن الإمدادات لم تصل الى الآن ونحن في اليوم الخامس من الزلزال. أراد قسم من الفصائل المحلية أيضًا تقديم المساعدة ، لكنها لا تمتلك القرار الذي هو بيد تركيا. وهكذا كان المواطنون في إدلب يعتمدون على الجهود المحلية والإمدادات التي كانت موجودة بالفعل في المدينة.

  • شمال وشرق سوريا.

تعرضت مناطق شمال و شرق سوريا إلى هزّات قوية، ولكن لم تسفر عن دمار كبير كما باقي المدن السورية ورغم ذلك سببت حالة هلع وخوف للسكان الذين عاشوا ليالي في الشوارع، سارعت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا إلى عرض المساعدة على المناطق المتضررة ،حيث وصلت قافلة مساعدات مؤلفة من صهاريج وقود وشاحنات محملة بالمساعدات الإغاثية والطبية الى معبر أم جلود والتي تفصل مناطقها عن مناطق الجيش الوطني السوري، ولكن لم يسمح لها بالعبور.


وفق الأشخاص الذي تواصلت تفن معهم، فقد قام مسؤولو الإدارة الذاتية بالتواصل في البداية مع الحكومة السورية المؤقتة متمثلة برئيسها عبدالرحمن مصطفى الذي قال في البداية أنه غير قادر على اتخاذ قرار بشأن قبول المساعدة لأنه قرار سياسي ويجب التواصل مع الإئتلاف، وهو ما حدث مع رئيس الإئتلاف سالم المسلط الذي قال أنه يجب العودة الى الهيئة السياسية لاتخاذ القرار، بعدها تم التواصل مع الدفاع المدني السوري و الذي لم يستطع أيضا إدخال المساعدات لأنها ليست من اختصاصهم، ثم حاولنا إقناع بعض القادة العسكريين على الحاجزمن أجل السماح بمرور القافلة على مسؤوليته الشخصية ، وهو ما لم يتمكنوا من القيام به خوفا من ردة فعل تركيا


أسباب تأخير أو عدم وصول مساعدات

استنادًا إلى حسابات على الأرض ، وجد تفن خمس أسباب رئيسية للتأخير أو عدم وصول المساعدات إلى المناطق التي تأثرت بالزلزال في سوريا : التسيّس ، سوء التصرف ، البيروقراطية ، الفساد ، والتمييز.


١. تسيّس الزلزال

تلتقي المصالح الجيوسياسية أحياناً بدون تنسيق وهذا ما حدث في سوريا وتركيا إثر الزلزال المدمر، حيث وجدت الحكومة السورية في الزلزال فرصة لها من أجل كسر عزلتها الدولية ورفع العقوبات الاقتصادية عن كاهلها مستفيدة من قيام تركيا بإغلاق حدودها أمام السورييّن ، فأحكمت حصارها على الشمال السوري وخاصة منطقتي الشيخ مقصود في حلب والأشرفية وعرقلة إيصال مساعدات الإدارة الذاتية الى الشمال السوري. في المقابلة حلفاء تركيا من الجيش الوطني السوري قامت هي الأخرى بدورها في إغلاق الحدود في وجه المساعدات، فعلت هيئة تحرير الشام المثل.

فالحكومة السورية لديها روايتين متناقضتين فيما يتعلق بتأثير العقوبات الاقتصادية عليها الأولى تستخدم في توهيم مؤيديه أن العقوبات لم تؤثر عليه وأنهم انتصروا في معركتهم ضد القوى الغربية، والثانية لإقناع السوريين في مناطق سيطرته أن سبب البؤس والمجاعة هي العقوبات الاقتصادية، وفي النهاية يبدو أن الحكومة السورية نجحت مؤقتاً في تحقيق مبتغاه ووصلت المساعدات من عواصم عربية وغيرها إلى دمشق بعد سنوات من العزلة ورافقها تنسيق عالي المستوى بين الأطراف، بالإضافة الى قيام الحكومة الأمريكية بتجميد بعض العقوبات لمدة ١٨٠ يوماً.


الحكومة السورية المؤقتة لم تستطع وضع خلافاتها السياسية مع الإدارة الذاتية جانباً ونظرت إلى القضية من زاوية سياسية فقط ورفضت دخول المساعدات المقدمة من قبل الإدارة الذاتية رغم أنه كان يوجد شبه إجماع من سكان الشمال السوري ومنظماتها على ضرورة دخول المساعدات، موقف الحكومة السورية المؤقتة عبّر عنه رئيسها عبد الرحمن مصطفى من خلال عدة تغريدات على حسابها في تويتر حيث كتب:



٢. سوء التصرف

واجهنا منذ عشر سنوات جميع أنواع العنف والخوف في الصراع السوري، ولكن هذا الزلزال كان الأكثر رعباً وكأنها نهاية العالم، رواية اتفق عليها جميع من عاش الزلزال في بلد مزقته الحرب ودمرت بناه التحتية وقطعت أوصاله الجغرافية وتقاسمت القوى العسكرية مساحات السيطرة، كان من الطبيعي أن تشهد سوء تنسيق حيث كان الهاجس الرئيسي في اليوم الأول هو النجاة سواء مدنيين أو من أفراد هيئات الحكم المحلية وزاد من صعوبة التنسيق انقطاع الكهرباء والانترنت.


٣. الفساد والبيروقراطية.

حتى في الموت يوجد تضارب مصالح هذا الاقتباس من أحد الناجين والذي فقد ١٠ من أفراد عائلته، فسلوك فصائل الجيش الوطني وخاصة جيش الشرقية وفيلق الشام لم يختلف عن سلوكه أثناء احتلاله لعفرين وغيرها حيث وجدوا في الزلزال فرصة للاستيلاء وسرقة المساعدات القليلة المقدمة، وشهدت صراعات فيما بينها على تقاسم حصص المساعدات التي وصلت الى عفرين حيث استولى ميليشيا “العمشات” على أربع شاحنات من أصل 14 شاحنة إغاثية من قافلة مؤسسة البرزاني الخيرية بعد أن طوقت القافلة بالدوشكا حتى سمحت لفريق القافلة بالتحرك. ، ونفس الحال انطبق على جيش الحكومة السورية حيث أفاد عددٌ من الشهود عن عمليات استيلاء وسرقة المساعدات التي كانت تصل إلى الحكومة السورية، بالإضافة الى اشتراطها الحصول على ٥٠٪ لعبور أحد حواجزها، ناهيك عن الرشاوي وفرض الجمارك على عبور أي مساعدات من حواجزها.


٤. التمييز.

إن الانتماءات الدينية والقومية والمجتمع المدني لعبت دوراً مهما في الاستجابة الطارئة والسريعة للزلزال أكثر بكثير من هياكل الحكم السياسية والعسكرية، ولكن الاستقطاب السياسي والفوضى الأمنية والعسكرية ساهمت في حدوث تمييز كبير بين المتضررين من الزلزال وخاصة في منطقة عفرين حيث تصاعدت جرائم التمييز ضد المواطنين الكرد من قبل الفصائل. والحال ينطبق على الجيش السوري الذي يحكم بقبضته على الشيح مقصود والشمال السوري ومنع دخول أي مساعدات إليها.

التوصيات

اقترح الشهود الذين توصلت معهم تفن العديد من التوصيات إلى المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة الدولية:

  1. الدعم المالي : في جميع المناطق التي تأثرت بالزلزال قلل التضخم بشكل كبير من القوة الشرائية للمواطنين\المواطنات، حيث ستمكنهم المساعدات المالية من الاستمرار في توفير احتياجاتهم اليومية.

  2. دعم الجهات الفاعلة المحلية: يتم تقديم معظم المساعدات من قبل الجهات الفاعلة المحلية والجهود الفردية ، وتجنب تسليمها الى الهياكل العسكرية أو الحكومية.

  3. الحاجة إلى فرق التقييم: يجب تقديم المساعدات لأولئك الذين يحتاجون إليها بدلاً من تلك المرتبطة بالانتماءات السياسية أو القبلية أو الدينية المحددة. لذلك ، ينبغي إنشاء فرق التقييم التي يمكن توزيع المساعدات بشكل فعّال بناءً على احتياجات الأشخاص في المناطق المتأثرة.

  4. ضغوط من الاتحاد الأوروبي والجهات الفاعلة الدولية الأخرى: يجب على الاتحاد الأوروبي والجهات الفاعلة الدولية الأخرى الضغط على تركيا لفتح حدودها أمام السوريين لجعل تدفق المساعدات بشكلٍ سلس وسهل في المناطق التي تسيطر عليها حلفاء تركيا.

Comments


bottom of page