top of page

الصناعة وسبل تطويرها

Jan 6, 2022

PDF Version. Available in English




ملخص تنفيذي.

عملت حكومات البعث السورية المتعاقبة على إهمال القطاع الصناعي بشكل متعمّد في شمال وشرق سوريا. إن المحافظات الثلاثة: الحسكة والرقة ودير الزور كانت المصدر الأساسي للغاز والنفط في سوريا، كما أنّها مناطق رئيسيّة للزراعة وخصوصاً القطن والقمح والشعير. في الوقت ذاته كانت المحافظات الثلاثة في شمال وشرق سوريا تعتبر سوقاً استهلاكياً هامّاً لمنتجات المعامل ومصانع المحافظات السوريّة الأُخرى وبشكل أساسي دمشق وحلب، فمثلاً كان النفط يتم نقله إلى مصفاة حمص ويتمّ تكريره وإعادة بيع مشتقّاته للسكان في شمال وشرق سوريا، كما أنّ غالبيّة الموظفين في قطاع النفط في الحسكة كانوا من خارج المحافظة، بينما لم يكن أي العاملين في مصفاة حمص من سكّان مدينة الحسكة.


كذلك الأمر بالنسبة للصناعات الزراعيّة حيث كان يتمّ تصدير المواد خام بأسعار غير تنافسية بسبب احتكار الدولة لعملية الشراء والتصنيع والتصريف في السوق بأسعار مناسبة، بالإضافة إلى عوامل اجتماعية حيث كان يتم التعامل مع المنطقة الشمالية الشرقية على أنها ذات بنية عشائرية مليئة بالتخلّف ولا يمكنها مواكبة التطور الصناعي.


بعد انطلاق حركة الاحتجاجات عام ٢٠١١ وما تلاها من عنف وصراع عسكري تضرّر القطاع الصناعي بشكل كبير جداً كما دُمّرت البنية التحتية فيها، من شبكات نقل الطاقة ومراكز توليد الكهرباء وكذلك المعامل والمصانع القليلة التي كانت تؤمّن احتياجات المنطقة من المواد الأساسية مثل السكر والأعلاف وغيرها. كما أدّت التغيرات المناخية الكبيرة إلى زيادة الطلب على الطاقة وخاصة الكهرباء بعد انقطاع المحروقات وهو التحدّي الأكبر أمام الإدارة الذاتية، حيث أصبح الطلب أكثر من المتوفر والمتاح، كما كان للتدخلات الإقليمية آثاراً سلبية أيضاً على قطاع الصناعة، فبعد تدخل تركيا في أجزاء من شمال وشرق سوريا تفاقمت الأزمة بقطع المياه عن نهر الفرات، وهذا ما أدى إلى خروج عنفات سدّ الفرات عن خدمة توليد الكهرباء والتي كانت تؤمن القسم الأكبر من الكهرباء للمنطقة والتي تقدر ب/ 500 واط/ وهي الكمية التي تحتاجها شمال وشرق سوريا، في حين أنّ المتوفر حالياً لا تتجاوز 10% من هذه الكمية، كل هذه العوامل أثّرت بشكل كبير على إنتاج المصانع والمعامل القليلة المتبقية.


ومن الأسباب التي أدّت إلى تراجع الصناعة إغلاق طرق التجارة الدولية والاعتماد على شبكة من تجار الحروب والمهربين وخصوصاً بعد إغلاق معبر اليعربية إثر الفيتو الروسي ضد القرار ٢١٦٥ المتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية، إغلاق الحدود ساهم أيضا إلى تهرّب جمركي كبير وبالتالي قضت على قدرة الصناعة المحلية على منافسة البضائع الأجنبية.


التحديات التي تواجه القطاع الصناعي والنفطي.

من خلال الحوارات ما بين الصناعيين والمشاركين والإدارة الذاتية، يمكن تقسيم التحديات التي تواجه الصناعة إلى تحديات داخلية وأخرى خارجية متمثّلةَ بالعوامل التالية:

  1. أدّى تراجع الإنتاج الزراعي إلى نقص في توفير المواد الأولية الخام التي من المفترض تصنيعها. فمثلاً يستلزم تشغيل معمل السكر تأمين الشوندر السكري بشكل مستمر من أجل تأمين احتياجات السكان من السكر، و هذا ينطبق على إنتاج القطن و المحصول الاستراتيجي من القمح إذ أنّ معظم معامل تصنيع الحبوب مثل معامل البرغل وغيرها لا تتوفر لديه الكميات الكافية من القمح للتصنيع والتصدير.

  2. عدم توفر المحروقات مثل المازوت والبنزين بالجودة المناسبة وهذا ما أدّى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، فقد أشار بعض المشاركين إلى توقف العملية الإنتاجية مثل معامل الحديد والأوكسجين بسبب سوء نوعية المازوت وعدم توفرها، لذا يجب تأمين مصافي حديثة.

  3. الجمارك وعدم وجود قانون واضح وتشجيعي للصناعة وكذلك عوامل الروتين والبيروقراطية في دوائر الإدارة الذاتية في مجال الرخص وغيرها.

  4. عدم الاعتراف بالمعابر في شمال شرق سورية دوليّاً وانحصار عملها ضمن المجال الإنساني فقط. إضافة إلى ذلك فإن المنطقة تحت حصار خانق وهذا مما أدّى إلى عدم توفر قطع الغيار وارتفاع أسعارها.

  5. دمار البنية التحتية كما حصل في الرقة ودير الزور مما يتطلب إمكانيات ضخمة وخبرات علمية كبيرة لإعادة تأهيلها.

  6. عدم وجود خطط استراتيجية لرفع الواقع الصناعي من الوضع الحالي وعدم وجود كفاءات علمية تعمل على دراسة الواقع ووضع حلول بديلة والتخطيط لتأمين حلول مستدامة في المستقبل.

  7. الضغوطات السياسية، فقد قامت تركيا بقطع المياه عن نهر الفرات لأسباب سياسية فالمصدر الرئيسي للكهرباء في شمال شرق سوريا كان عنفات سدّ الفرات وهذا ما أدخل المنطقة في أزمة كبيرة تأثّر بها القطاع الصناعي.

الإدارة الذاتية : بين تأمين المتطلبات والتحديات.

على الإدارة الذاتية العمل من أجل الانتقال إلى الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح) وهذا يتطلب إجراء أبحاث ودراسات مكثفة ودقيقة وعلمية من أجل وضع استراتيجية قابلة للتنفيذ. أما عن الطاقة الهوائية (الرباح) فهي حسب المشاركين مرتفعة التكلفة لأن عنفات توليد الطاقة الهوائية باهظة الثمن، فضلاً عن الافتقار لدراسات علمية كافية عن عمل هذه العنفات في المنطقة.


في الواقع إن أسعار ألواح الطاقة الشمسية مرتفعة بسب عدم استقرار السوق وعدم وجود معابر نظامية تسهل هذه العملية، لذلك يجب إيجاد آلية مناسبة من قبل الإدارة الذاتية لمراقبة تضخم الأسعار ومراقبة جودة هذه الألواح ومدى الكفاءة الفعلية لها أثناء العمل بها، حيث أن الألواح التي تتواجد الآن في الأسواق لا تعمل كما هو مطلوب وهي أما قديمة أو أن عمرها الافتراضي منتهي أو أنها غير مطابقة للمواصفات المطلوبة وذلك بسبب عدم وجود شركات معتمدة تضمن كفاءة الألواح حتى تحقق فاعلية في العمل ضمن العمر الافتراضي.



الاستثمارات الصناعية والواقع الأمني الراهن.

تقع منطقة شمال وشرق سوريا تحت تهديد أمني بسبب خلايا تنظيم الدولة الإسلامية النائمة و التهديدات التركية إلى جانب حلفاءها المتشددين من الجيش الوطني السوري، وخصوصاً بعد احتلال مناطق كبيرة منها مثل رأس العين، و تعيش المنطقة تحت هجمات يومية من قبل الجماعات المتشددة التي تدعمها تركيا في مناطق عين عيسى وتل تمر والقامشلي والمالكية بالإضافة إلى الاستهداف المتكرر بطائرات مسيرة تركيّة.


كما أن التوترات بين الدول مثل الولايات المتحدة وروسيا وإيران يسبب جوّاً من الرعب والخوف يمنع أصحاب رؤوس الأموال من بناء المصانع. وبالرغم من هذه التحديات فهناك إقبال على فتح المنشئات الصناعية والمعامل الصناعية الزراعية حاليّاً حيث تضاعف عدد المعامل منذ بداية عام 2011 عشرات المرات مما يؤكد رغبة الصناعيين في شمال شرق سوريا على العمل ضمن هذا القطاع وتطويره والاستثمار فيه. كما أشارت الإحصاءات التي قدمتها إدارة الصناعيين في شمال وشرق سوريا أنّ عدد الرخص الممنوحة للمصانع والمنشئات قد بلغ حوالي ثمانمائة معمل ومنشأة.

الاستدامة في القطاع الصناعي وتطويره وارتباطه بالقرارات الدولية.

إن إنشاء المعامل والمصانع والمنشآت الصناعية يتطلب مبالغ مالية كبيرة، لذلك سواء كانت هذه المنشآت كبيرة أو صغيرة أو متوسطة يجب أن يتم دعم هذا القطاع وتطويره عبر مجموعة من السياسيات والتوجيهات الإجراءات التي تعمل على استدامته وتشجع الاستثمار فيه. ويجب الانطلاق من توفير الحماية الأمنية لهذه لمنشآت التي تعمل على تأمين المواد الأساسية والهامة لسكان مناطق شمال وشرق سوريا مثل المطاحن ومحطات المياه الشرب ومعامل تصنيع الحبوب وأن يتم تحييدها عن الاعمال القتالية و الصراعات السياسية. بالإضافة إلى عامل الأمان يجب تأمين المستلزمات والمعدّات من قطع غيار وغيرها من الدول المجاورة وتسهيل عمليات الإدخال من أجل تحقيق الاستمرارية في الانتاج لضرورتها (مثلاً معمل الأكسجين)، وتسهيل منح الرخص اللازمة لها كي تقوم بتأمين ما يلزم لها حيث أن عدداً كبيراً منها يتطلب قطع تبديل من الشركات العالمية المصنّعة.

الحلول المقترحة لاستدامة القطاع الصناعي.

من خلال مجمل النقاشات والحوارات التي تجري خلال هذا المنتدى بين المسؤولين من الإدارة الذاتية والصناعيين والخبراء والمهندسين نستطيع أن نحصر الحلول المقترحة بالنقاط التالية:

  1. أن يتم ضمان الاستقرار الأمني في شمال وشرق سوريا والعمل على ردع الهجمات العدوانية عليها من قبل داعش أو الحكومة التركية وحلفاءها من الجماعات السورية المسلحة.

  2. أن تعمل الإدارة الذاتية على تحسين جودة مادة المازوت من أجل تفادي الأعطال في تشغيل المحركات التي تقوم بتشغيل هذه المعامل والمنشئات ومعدات وآليات القطاع الزراعي. بالإضافة إلى ذلك يجب توزيع مادة المازوت بشكل عادل على كافة المناطق في شمال شرق سويا وحسب حاجة كل إقليم منه.

  3. وضع خطط مستقبلية لتأمين متطلبات القطاع الصناعي بشكل مسبق كي تكون هذه المادة متوفرة في الوقت المناسب وبدون تأخير كتوفير مادة المازوت للقطاع الزراعي في الوقت المناسب.

  4. رفع كافة الرسوم الجمركية من قبل الإدارة الذاتية على توريد المدخلات إلى القطاع الصناعي ووضع قوانين وتشريعات تسهل من عمله والاستثمار فيه.

  5. تشجيع الصناعة المحلية والترويج لها والعمل على تحسين مواصفات الجودة حتى تنافس المنتج الخارجي وإعطاء الأولوية في التداول لها داخل مناطق شمال شرق سوريا.

  6. تدريب كوادر إداريّة متخصصة بالقطاع الصناعي في مؤسسات الإدارة الذاتية ورفع مستوى الأداء الإداري والفني ليواكب المسؤولية الكاملة والقادرة على تلبية حاجة القطاع وإيجاد حلول مناسبة للمشاكل التي تعترضه.

  7. تكريم المبدعين والمبتكرين الصناعيين ومنحهم الحوافز وتشجيعهم ليكونوا مساعدين حقيقين وفاعلين في مجال تطوير القطاع الصناعي عبر تكوين جمعية لهم على سبيل المثال.

  8. إنشاء مكتب دراسات استراتيجية لقطاع الصناعة والصناعة الزراعية خصوصاً حول الواقع الصناعي وسبل تطويره عبر خطط مستقبلية على المدى القصير والمتوسط والطويل.

Comments


bottom of page