top of page

السياسة البريطانية تجاه كرد سوريا

تعاطف شعبي وبرلماني، وتجاهل سياسي رسمي

متاح باللغة الانكليزية.

 








زارا صالح.

أكاديمية الطب العالي من جامعة صوفيا، بلغاريا؛ ماجستير دراسات السلام وحل النزاعات، جامعة كوفنتري في بريطانيا.











كان لبريطانيا حضور سياسي وعسكري كبير في مختلف أجزاء كردستان منذ بدايات القرن الماضي، كذلك كان لها الدور الأبرز في صياغة المقررات المنبثقة عن مؤتمرات لندن 1921و1922، ولوزان 1923 حين تراجعت -بالشراكة مع فرنسا- عن وعود اتفاقية سيفر 1920 التي كانت تحمل بذور تشكيل نواة دولة كردية بعد الاعتراف بالحكومة التركية الكمالية الجديدة، وتوقيع اتفاقية المصالح المشتركة بين الحكومة البريطانية والاتحاد السوفياتي وبالتالي إلحاق ولاية الموصل (إقليم كردستان حاليا) الغني بالنفط بدولة العراق و التي وقعت تحت الانتداب البريطاني، كل ذلك تم في إطار لعبة المصالح السياسية والعلاقات الدولية بين المنتصرين في الحرب العالمية الأولى والتي كرست المصير التراجيدي للكرد كأكبر قومية محرومة من بناء دولتها القومية. وبناء على السياسات الكولونيالية المعهودة في ذلك الوقت فقد حصلت بريطانيا وقتئذ على القطعة الأهم من الكعكة تركة الدولة العثمانية في العراق وكردستان، وهكذا ظل القسم الجنوبي من كردستان تحت النفوذ البريطاني حتى تاريخ اليوم فيما ترك الكرد في سوريا ضمن مناطق النفوذ الفرنسي.


مع بداية ما سمي بـ "الربيع العربي" لعبت بريطانيا دورا مهماً في دعم حركة الاحتجاجات، وساهمت في تقديمة كافة أشكال الدعم، وشكلت مع دول أخرى فاعلة مجموعة ما يعرف بـ"أصدقاء الشعب السوري"، وقدمت دعماً الى المعارضة السورية السياسية والعسكرية والمدنية، واستضافت أول مؤتمر للمانحين لدعم الشعب السوري والذي عرف بـ "مؤتمر لندن للمانحين" حيث تعهدت الجهات المانحة بتقديم أكثر من 6 مليار دولار أميركي للسوريين، مما شكل أساساً لانطلاق مؤتمر بروكسل لـ"دعم مستقبل سوريا". أما عسكرياً فقد لعبـت بريطانياً دوراً مهماً ضمن جهود التحالف الدولي في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بقيادة أمريكا، واقترن هذا الحضور مع تواجد عسكري واستخباراتي في قاعدة التنف على الحدود العراقية-الأردنية والتي انشأتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 2014 في مواجهة تمدد إيران وهلالها المذهبي.


الموقف الشعبي والبرلماني.

فيما يخص الموقف البريطاني الشعبي والبرلماني من الكرد في سوريا، هنالك تعاطف شعبي عام في المملكة المتحدة، وحتى على الصعيد السياسي الرسمي يتم الإشادة بالدور الكردي العسكري الفعال في هزيمة تنظيم داعش فقد شكلت معركة كوباني نقطة مفصلية في زيادة الاهتمام بالقضية الكردية التي باتت حاضرة بقوة في بريطانيا والعالم ككل، وقد تطوع العديد من البريطانيين في صفوف وحدات حماية الشعب، وفقد البعض منهم حياتهم في المعارك جنباً الى جنب مع مقاتلي وحدات حماية الشعب.


مشاركة بريطانيا في التحالف الدولي لمحاربة داعش ساهمت في تعرّف البريطانيين على حليف وشريك عسكري موثوق ومتمرس في القتال من خلال الحضور الميداني والعسكري للكرد بعد موقعة كوباني الملحمية، وهزيمة داعش في الرقة التي كان يستخدمها كعاصمة للخلافة، وأخيراً في معركة الباغوز التي أنهت الحضور الفيزيائي العلني لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إذ تصدرت صور المقاتلات الكرُديات من قوات حماية المرأة عناوين وصفحات العديد من الصحف والمجلات في المملكة المتحدة كحالة إيجابية واستثنائية في الشرق الأوسط.


ساهم انضمام المئات من المتطوعين الجهاديين البريطانيين إلى صفوف داعش في سوريا إلى زيادة التركيز على جهود الكرد، ومتابعة ما يحصل في سوريا وتحديدا في المناطق الكردية وزيادة تسليط الضوء أخبار الكرد في سوريا، كذلك القوات الكردية التي كانت ومازالت تحارب الإرهاب والميليشيات المتطرفة نيابة عن العالم وأوروبا بشكل خاص، والتي عانت من تبعات تلك الحرب الأيدولوجية على أراضيها أيضا.


انعكس ذلك كله على مشاركة برلمانيين وشخصيات بريطانية مؤثرة في العديد من الفعاليات والتظاهرات التي نظمها الكرد في مختلف المدن البريطانية ضد الاحتلال التركي لعفرين وسري كانيه، كما ظهرت دعوات من أجل طرح مسألة التدخل العسكري التركي واحتلالها للمناطق الكردية في البرلمان البريطاني، حضرت بشكل شخصي أكثر من مناسبة ضمن هذا المسعى، كان منها تنظيم الجالية الكردية تظاهرة في مدينة برمنغهام- وسط انكلترا- تنديدا بالغزو التركي لمناطق عفرين، شارك فيها عضو البرلمان والنائب عن حزب العمال البريطاني جاك درومي الذي التقته الجالية الكردية في مكتبه أيضاً وتحدث مطولا عن ذلك الدور الهام للكرد في هزيمة داعش مشددا على قيام الكرد بمحاربة الإرهاب بالنيابة عن أوروبا عامة وقال حينها: "نحن البريطانيون نشعر بالحرج والخجل أمام ما يحصل في عفرين، نحن مدينون لكم" وأكد من جديد على موقفه التضامني مع القضية الكردية بعد لقاء الجالية الكردية مؤخرا في 13/11/2021 وعبر تغريدة له على حساب تويتر(Jack Dromey MP) حين صرح بأنه من أشد الداعمين لحقوق الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره، وبان الكرد كانوا السندان الذي تحطمت عليه داعش، لكنهم عوملوا بشكل مخجل من قبل المجتمع الدولي.



وكان هو من ضمن مجموعة من الشخصيات البرلمانية وبالأخص من حزب العمال البريطاني مثل ( ايميلي ثورنبيري و كايت أوسامور) الذين طرحوا قضية الكرد في البرلمان أكثر من مرة، ومنها ما تم من قبل المجموعة البرلمانية لجميع الاحزاب البريطانية (APPG ) المساندة لحقوق الكرد في سوريا وتركيا، والتي طرحت مؤخراً قضية التهديدات التركية بحق الكرد 2/11/2021 يجدر بالذكر أن هذه المجموعة تضم برلمانيين من حزب العمال البريطاني والحزب الوطني الاسكتلندي منهم : لويد راسل مويل, جون سبلر, اليكس سوبيل, كيم جونسون, فريال كلارك).


يعتبر الساسة البريطانيون الإدارة في شمال وشرق سوريا "إدارة كردية" رغم مشاركة المكون العربي والسرياني فيها، كتعبير عن كردستانية المنطقة، ويقرون ضمنياً بما لحق الكرد من ظلم نتيجة تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء لخدمة مصالح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى وعلى رأسهم بريطانيا. وهذا الرأي يتداوله الإعلام البريطاني وكذلك الرأي العام في بريطانيا في إشارة إلى الكرد وإدارتهم لتلك المناطق في شمال شرق سوريا، وحتى عند الحديث عن القوة العسكرية التي هزمت داعش ومازالت القوة البرية الأساسية ضمن التحالف الدولي.


الموقف السياسي والحكومي.

ورغم التعاطف الكبير من قبل البريطانيين مع الكرد فإن الرأي الحكومي الرسمي انعكس بشكل مختلف في مواقف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وحكومته، وغالباً ما شهدت قبة مجلس العموم البريطاني خلافاً بين حزب المحافظين الحاكم والمعارضة الرئيسية المتمثلة بحزب العمال البريطاني، فقد طرح أعضاء مناصرين للكرد من حزب العمال المعارض في أكثر من جلسة قضية العدوان التركي والتدخل العسكري التركي في سوريا، واحتلال المناطق الكردية مثل عفرين وسري كانيه وطالبوا بإدانة هذا الهجوم، لكن حكومة المحافظين بقيادة بوريس جونسون كانت ترفض ذلك بحكم علاقاتها الاقتصادية مع تركيا وحكومة حزب العدالة والتنمية، فموقف الحزب الحاكم لم يتجاوز الإعجاب والتصريحات الرومانسية التي تتغنى ببطولات الكرد وشجاعتهم في هزيمة داعش، على النقيض من حزب العمال البريطاني الذي كانت له فاعلية أكثر في البرلمان البريطاني، وقام نواب وممثلين عنه بزيارة الإدارة الذاتية و"مناطق الحكم الكردي" أكثر من مرة، وأبدوا تضامنهم ودعمهم السياسي والإنساني لهذه التجربة رغم الأخطاء الحاصلة وصعوبة الوضع في ظل الحصار الاقتصادي والتهديدات المتواصلة من قبل تركيا وفصائل المعارضة السورية التابعة لها، وكذلك من قبل نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس.


بريطانيا المعروفة بدبلوماسيتها تحاول دوما النأي بالنفس عن تحمل أية مسؤولية تجاه حماية الكرد والإدارة الذاتية، بدعوى أن الملف الكردي تابع للطرف الأمريكي الذي يقود التحالف الدولي هناك ويقدم الدعم العسكري واللوجستي لقوات سوريا الديمقراطية، وهي عمليا الضمانة الوحيدة في الوقت الراهن لحماية الكرد، وتجنب تكرار سيناريو عفرين أو سري كانيه في مناطق كردية أخرى من قبل تركيا أو النظام السوري، علماً أن بريطانيا تعتبر الحليف الأقرب لأمريكا ولها دور وازن ضمن قوات التحالف الدولي لمحاربة داعش.


تحاول الحكومة البريطانية التنصل من مسؤولياتها تجاه رعاياها الذين انخرطوا في صفوف داعش أيضاً فقد قامت وزارة الداخلية بإسقاط الجنسية البريطانية عن العديد منهم، ورفضت استعادتهم متعللة بإيجادها مخرجا قانونيا لهذه المشكلة.

بعد الدعوات المتكررة من الإدارة الذاتية لبريطانيا بضرورة تحمل مسؤولياتها في استعادة مواطنيها من زوجات وأطفال داعش الموجودين في مخيم الهول ونوروز، قام مبعوث بريطانيا إلى سوريا جوناثان هارغريفز في 18/10/2021 بزيارة الى شمال شرق سوريا وكان ذلك اللقاء الرسمي الأول الذي يجمع وفداً حكومياً بريطانياً مع ممثلي الإدارة الذاتية وتم للمرة الأولى تسليم ثلاثة أطفال بريطانيين من عوائل تنظيم داعش إلى الوفد البريطاني وفق وثيقة رسمية بين الطرفين.

تساهم بريطانيا في تقديم الدعم لبعض المشاريع التنموية والخدمية في مناطق الإدارة الذاتية وشمال شرق سوريا غير أن هذا الدعم لا يرقى إلى حجم الاحتياجات المتعاظمة في ظل الحصار الاقتصادي والتهديدات العسكرية التركية، التي تسهم في زعزعة الاستقرار واضطراب الأحوال المعيشية ضمن منطقة شاسعة غابت عنها التنمية لعقود.


الخلاصة.

رغم أهمية الوجود الأمريكي وقوات التحالف الدولي لمحاربة داعش في المنطقة ومنها بريطانيا، والذي يعتبر ضمانة لحماية الوجود الكردي كشعب مهدد بالاقتلاع والتغيير الديموغرافي. ففي ظل الأوضاع السياسية والميدانية غير المستقرة في سوريا وتكرار الانتهاكات والجرائم في مناطق تواجد الاحتلال التركي على وجه الخصوص، على الحكومة البريطانية تقديم جهود أكبر في استيعاب الجانب الكردي وقواه السياسية، كذلك بذل المزيد من الجهد من أجل إنجاح الحوار الكردي تمهيداً لترسيخ الاستقرار وامتداد الحوار ليشمل فعاليات وقوى أخرى في المشهد السياسي والمجتمعي، وتشكيل ممثلية ومنصة كردية مستقلة تتفق في خطوطها العريضة على المطالب الكردية في حكم ذاتي أو فيدرالية ضمن دولة اتحادية، والضغط بجدية على تركيا لوقف الانتهاكات والتغيير الديموغرافي، هذا ما سيشكل خطوة هامة وجدية إلى جانب أهمية الحضور الأمريكي في ضمان حماية الكرد وتأمين مشاركتهم في مفاوضات السياسية وإيجاد حل للأزمة السورية وفق القرار 2254 وتثبيت الحقوق القومية للشعب الكردي في الدستور القادم لسوريا، وبضمانة دولية من قبل الامم المتحدة، وعلى مستوى دعم الاستقرار وتحسين الأحوال المعيشية يتوقع من الحكومة البريطانية تقديم المزيد من الإسهام والدعم في دعم المشاريع التنموية والاقتصادية في المناطق الكردية وعموم شمال وشرق سوريا، والضغط باتجاه حوكمة وتشاركية الإدارة الذاتية وتطوير مؤسساتها بما يخدم إشراك جميع الفعاليات والقوى والتعبيرات السياسية والمجتمعية والمدنية فيها.

bottom of page