top of page

الانتخابات التركية وأثرها على الشؤون الكردية: من وجهة نظر كردية


اختر لغة من أجل قراءة الورقة




في ١٤ آيار ٢٠٢٣ ستجري تركيا انتخابات رئاسية وبرلمانية. هناك نتيجتان محتملتان: إما فوز الرئيس رجب طيب أردوغان والحفاظ على النظام السياسي الحالي ، أو إعلان خصمه الرئيسي النصر ويعلن العودة إلى النظام البرلماني.


تحظى هذه الانتخابات باهتمام كبير بسبب موقع تركيا الجيوسياسي في شرق أوسط تكثر فيه الصراعات، وبسبب دورها الإقليمي والدولي في العديد من الملفات ومنها ملف الغزو الروسي لأوكرانيا، وقد زاد من حدة المنافسة في الانتخابات الزلزال المدمر الذي ضرب عشر ولايات تركية وخلف أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، ناهيك عن تدمير البنية التحتية. ورغم ما خلفه الزلزال من أضرار، إلا أنه أصبح يمثل فرصة للمعارضة التركية للإطاحة بأردوغان ، حيث اتفقت أحزاب الطاولة السداسية على ترشيح كمال كيليجدار أوغلو في الانتخابات الرئاسية، والذي انقسمت الآراء حوله سواء على المستوى السياسي أو الشعبي.


تسعى هذه الورقة إلى تقديم لمحة عامة عن المشهد السياسي التركي والتنبؤ بكيفية تأثير النتائج على الشؤون الكردية في البلاد. تمت المقابلات مع أعضاء المجتمع المدني والتكنوقراط والسياسيين الكرد في تركيا وسوريا.


الخارطة السياسية في تركيا

تشكلت خمسة تحالفات سياسية في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية في ١٤ آيار ٢٠٢٣ :

  • تحالف الجمهور: الذي يضم حزبي العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية التركي المتطرف، بزعامة دولت بهجلي. وحزب الوحدة الكبرى (يميني)، وكذلك حزب الدعوة الحرة أو ما يعرف بالتركية بـ “هدى بار"، وهو حزب كردي إسلامي متطرف يعتبر امتداداً لحزب الله الكردي الذي نفذ العديد من عمليات الاغتيال ضد عناصر حزب العمال الكردستاني، ويُنظر إليه في الشارع التركي باعتباره نقيض حزب الشعوب الديمقراطية. وحزب "الرفاه من جديد" بعد تراجع زعيمه فاتح أربكان، نجل نجم الدين أربكان مؤسس تيار الإسلام السياسي في البلاد، من خوض انتخابات الرئاسة.

  • تحالف الطاولة السداسية: يضم ٦ أحزاب معارضة ويعتبر امتدادً لتحالف الأمة المعارض الذي ضم حزب الشعب الجمهوري وحزب الجيد التركي المتطرف، وخاض الحزبان انتخابات 2018 المحلية ثم انتخابات 2019 الرئاسية والبرلمانية تحت راية التحالف المذكور.وتوسع التحالف حتى أصبح يضم إسلاميين وعلمانيين وقوميين، وأحزابه هي: "حزب الشعب الجمهوري" هو حزب سياسي اشتراكي علماني يحمل الأفكار الأتاتوركية، وهو أقدم حزب في تركيا تأسس عام ١٩٢٣ على يد مصطفى كمال أتاتورك. "الحزب الجيد" يصنف نفسه على أنه حزب ليبرالي وسطي قومي تركي، وأسسته ميرال أكشنار بعد انشقاقها من حزب الحركة القومية سنة ٢٠١٧. "حزب السعادة" وهو حزب سياسي تركي إسلامي، انبثق عام ٢٠٠١ عن حزب الفضيلة الإسلامي الذي حلته السلطات التركية، وهو يسير على منهج زعيمه التاريخي نجم الدين أربكان. "حزب المستقبل" وهو حزب يمين وسط محافظ، شكله رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، بعدما انشق عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في عام ٢٠١٩. "حزب الديمقراطية والتقدم" وهو حزب يمين وسط محافظ أيضاً شكله نائب رئيس الوزراء السابق علي باباجان المنشق عن حزب العدالة والتنمية الحاكم عام ٢٠٢٠. "الحزب الديمقراطي" حزب قومي يميني محافظ أسسه سليمان ديميريل عام ١٩٨٣ تحت اسم حزب "الطريق القويم" ثم تغير لاحقاً إلى اسمه الحالي الحزب الديمقراطي.

  • تحالف اليسار "العمل والحرية": ويضم ٥ أحزاب يسارية، وهي: "حزب الشعوب الديمقراطي" ينادي بالديمقراطية ويدعو إلى إيجاد حل سياسي للقضية الكردية في تركيا. حزب "العمال التركي TİP"، وحزب "العمل EMEP"، وحزب "الحرية الاجتماعية TOP"، وحزب "الحركة العمالية EHP"، و"اتحاد المجالس الاشتراكية". وتأسس هذا التحالف في أغسطس 2022 ومن المقرر أن يخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة بقائمة موحدة، دون تقديم مرشح للانتخابات الرئاسية.

  • تحالف أتا: ويضم الأحزاب اليمينية: "النصر" و"القويم" و"التحالف" و"دولتي". ومرشحه الرئاسي سنان أوغان.

  • تحالف تركيا: الذي يضم 10 أحزاب صغيرة أبرزها: "الواحد" و"الطريق الجديد" و"الحزب العثماني" و"وحدة الأناضول" و"محبي الوطن".

  • هناك أحزاب قد تخوض الاستحقاق التشريعي دون الدخول في تحالفات انتخابية، منها حزب الديمقراطية والتقدم، وحزب المستقبل، وعلى المستوى الرئاسي، يخوض المرشح محرم أنجة رئيس حزب البلد، السباق بصورة فردية،

وتكتسب الأحزاب الصغيرة ذات معدل التصويت المنخفض أهمية بارزة للتحالفين الأساسيين في تركيا، من أجل المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية وضمان الحصول على الأغلبية البرلمانية.


موازين القوة

 

عند الحديث عن موازين القوة السياسية في تركيا يمكن استخدام ثلاث دوائر قوة رئيسية لتصنيف ديناميكيات القوة السياسية في تركيا. في الانتخابات المقبلة التي ستجرى وسط استقطاب سياسي حاد ، من المرجح أن تكون هناك تغييرات كبيرة في هذه التوازنات.

  • حزب العدالة والتنمية: يستند في قاعدته الأساسية على التيار القومي التركي والديني، وهو أساس تشكيل تحالف الجمهور الذي يضم أحزاب قومية ودينية تستهدف الناخبين من التيارات الدينية التركية والكردية على السواء، إضافة إلى الناخبين من التيارات القومية التركية . خلال السنوات الماضية نجح الحزب في فرض سيطرته على الدولة بعد أن غير نظام الحكم البرلماني فيها إلى رئاسي.

ومع ذلك ، فإن جائحة كوفيد -١٩، أزمة اللاجئين و تكلفة التدخلات العسكرية الخارجية فرضت على الحزب تحديات كبيرة، والجدير بالذكر أن البلاد في أزمة اقتصادية مع ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين (التضخم) إلى مستويات عالية بلغت خلال مارس/ آذار الماضي 2.29%، ليصبح 50.51% على أساس سنوي، حسب ما أعلنت عنه هيئة الإحصاء التركية، في حين ارتفعت معدلات البطالة بنسبة 9.6% بنهاية العام الماضي.


ومع ذلك ، على عكس منافسيه ، يبدو الحزب وحلفاؤه أكثر انسجاماً، بالإضافة إلى ذلك ، يمتلك الرئيس أردوغان القوة التي يمكنه استخدامها في ضرب خصومه وهو ما حدث بالفعل عندما رفع دعوى قضائية ضد أكرم إمام أوغلو ،رئيس بلدية اسطنبول ، الذي كان من المتوقع أن يكون منافسه الرئيسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فعل الشيء نفسه مع حزب الشعوب الديمقراطي عندما شن حملة اعتقالات في عاصمة كردستان ، آمد (ديار بكر) ، حيث سجن أكثر من 200 شخص. صحفيون وكتاب وحقوقيون ونشطاء سياسيون أكراد ، بالإضافة إلى أعضاء الحزب المذكور.


  • حزب الشعب الجمهوري: يستند في قاعدته الأساسية على التيار القومي التركي والعلماني، وقد نجح في تشكيل تحالف الطاولة السداسيةفي 6 مارس/آذار 2023 التي أعلنت ترشيح كمال كليجدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري، مرشحاً مشتركاً عن أحزابها الستة في الانتخابات الرئاسية في 14 مايو/أيار المقبل.

أعلن التحالف عن خارطة طريق من 12 نقطة لإنهاء "حكم الرجل الواحد" لأردوغان والعودة إلى النظام البرلماني بالإضافة إلى تعيين رئيسي بلدية أنقرة وإسطنبول، نائبين لرئيس الجمهورية "في الوقت الذي يراه الرئيس مناسباً، وضمن واجبات محددة"، وذلك بعد خلاف جرى بين حزبي "الشعب الجمهوري" و"الجيد" أكبر حزبين على الطاولة السداسية.


التباين الموجود بين التوجهات السياسية لأحزاب التحالف والخلافات التي تظهر بين الفينة والأخرى فيما بينها، يعطي قراءة غير متفائلة لمستقبل الحكم في تركيا إذا ما فاز مرشحها في الانتخابات الرئاسية، إذ هناك مخاوف من أن يقوم التحالف بتشكيل حكومة غير قادرة على الحكم وإدارة البلاد اذا ما تم تطبيق خارطة الطريق والعودة الى النظام البرلماني، وهذا قد يكون له تأُثير سلبي نفسي على الناخبين، ويخلق حالة من الشك والضبابية لمستقبل الحكم.


سبب آخر قد يكون مؤثراً على حظوظ كليجدار أوغلو في الفوز في الانتخابات وهو خسارته المعركة مع زعيمة "الحزب الجيد" ميرال أكشنار التي وقفت في وجه محاولاته ضم حزب الشعوب الديمقراطي وتحالفه اليساري، وهذا قد يسبب تشتت الأصوات الكردية ويؤدي الى حسم المعركة الرئاسية منذ المرحلة الأولى، أي بحصول أردوغان على أكثر من نصف الأصوات.


  • حزب الشعوب الديمقراطية: هو حزب سياسي يساري كردي، نجح في تشكيل تحالف اليسار. نظرًا لأن الحزب لا يرشح نفسه للرئاسة ، رحب الحزب بترشيح كيليجدار أوغلو لمنصب الرئيس ، رغم أنه لم يتلق وعدًا من حزب الشعب الجمهوري بأن الأكراد سيحصلون على حقوقهم إذا فازوا.

ومع ذلك ، فمن غير المرجح أن يصوت ناخبو حزب الشعوب الديمقراطي لأردوغان. وهذا يعني أن أردوغان سيكون مهتمًا بتشتيت ناخبي حزب الشعوب الديمقراطي لمنع خصمه من الحصول عليهم. في غضون ذلك ، يعلم كيليجدار أوغلو أنه لن يفوز في الانتخابات إذا تفرقت أصوات الأكراد. لذلك ، فإن المرشحين الأكثر حظًا (كيليجدار أوغلو وأردوغان) سوف يغازلون الأكراد من وقت لآخر في خطاباتهم. ومن المعرف عن الأصوات الانتخابية الكردية بأنها "صانعة الملوك"، وتشير التوقعات إلى أن التحالف قد يحصد أكثر من ١٠٪؜ من الأصوات، وفي حال تعادل الكفة بين الخصمين وتوجه الانتخابات إلى مرحلة ثانية كما هو متوقع، فيمكن لهذه الأصوات أن تلعب دوراً حاسماً في ترجيح كفة أحد الطرفين.


ثمة توجه لدى حزب الشعوب الديمقراطي باعتماد الخطة "ب" إذا ما أصدرت المحكمة الدستورية قراراً بحظره، وهو أن يكون ضمن قوائم حزب " اليسار الأخضر" المتاح له بالمشاركة في الانتخابات وفقاً للجنة العليا للانتخابات. كما أن حزب العمال التركي "TIP" يبدي رغبة في المشاركة في الانتخابات البرلمانية باسمه وشعاره الخاص في بعض الدوائر الانتخابية.


تأثير الزلزال على الانتخابات.

 

التأخير في الاستجابة للزلزال وإهمال بعض المحافظات والتمييز الذي صاحب عمليات الإنقاذ أسباب يمكن أن تؤثر على السلوك الانتخابي. حاول أردوغان تدارك المشكلة وقدم اعتذاره (وهو حدث نادر) للسكان المتضررين من الزلزال عن التأخر في تنظيم الإغاثة وعمليات الإنقاذ، متعهداً بالإسراع في وتيرة إعادة الإعمار "خلال عام واحد". إلا أن أثار الزلزال تبدو أكبر من أن يمحوها اعتذار ووعود، فالتقديرات الأولية للأمم المتحدة للأضرار المادية للزلزال تقدر بأكثر من 100 مليار يورو.

ومع ذلك، يمكن أن تكون دبلوماسية الكوارث سلاح ذو حدين.، بالإضافة إلى تلقي الدعم من أكثر من 50 دولة ، أعلنت الحكومة الحالية عن حالة الطوارئ لمدة ٣ أشهر، كما أعلنت عن خطة لبناء 200 ألف منزل في 11 محافظة، بالإضافة إلى عقد مؤتمر للمانحين في 6 شباط/فبراير الماضي في بروكسل تعهدوا فيه المانحون بتقديم 7 مليار يورو لمساعدة سكان تركيا وسوريا المتضررين من الزلزال (منها ١٠٨ مليون دولار فقط مخصصة للمساعدات الإنسانية لسوريا). كلها يمكن أن يتم استخدامها كدعاية انتخابية للترويج لحملة أردوغان وحزب العدالة والتنمية.


مستقبل الحكم في تركيا

 

يهيمن على نتائج الانتخابات التركية توقعان: الأول هو فوز أردوغان وبقاء الحكم كما هو، والثاني هو فوز كليجدار أوغلو ومشاهدة تحول كبير في الحكم والعودة إلى النظام البرلماني كما كان الوضع عليه سابقاً.

كلا النتيجتين ستؤديان بلا شك إلى عدد من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عليها ، لكن هذه الورقة تهدف إلى التركيز على كيفية تأثيرهما على الشؤون الكردية.


أولاً: عودة عملية السلام مع الكرد؟

إن عداء الحزب الحاكم للأكراد واضح ، وكل من تحدثنا معه يعتقد أن فوز أردوغان لن يحافظ على الوضع الحالي فحسب، بل سوف يزيد من إجراءات تضييق الخناق على الكرد سواء داخل تركيا أو خارجها.

إذا ما أرادت المعارضة إخراج تركيا من أزمتها التي طال أمدها والتي نتجت جزئيًا عن الصراعات الداخلية، فإن الأشخاص الذين تمت مقابلتهم يعتقدون أن انتصار المعارضة قد يمثل فرصة لإحياء عملية السلام. ولكن يجب أولاً أن يتم العمل على إجراءات لإعادة بناء الثقة ومنها إطلاق سراح المعتقلين الكرد وإزالة جميع القيود السياسية على الكرد وممثليهم السياسيين، وباستثناء رئيسة الحزب الجيد ميرال أكشنار التي تنافس أردوغان في عدائها للكرد، فإن موقف أحزاب الطاولة السداسية يتباين فيما بينها وضبابي تجاه الكرد.


ثانيا: الملف السوري؟

انقسمت الآراء حول موقف المعارضة فيما يتعلق بالتطبيع مع نظام الأسد وتسليم مناطق النفوذ التركية في سوريا لحكومة دمشق، وذلك بسبب وجود تيار قومي قوي داخل تحالف الطاولة السداسية تقوده أكشنار، ويرى أحد الآراء أن المعارضة ستميل إلى الضغط على الحكومة السورية لتنفيذ اتفاقية أضنة لعام 1998. إلا أن جميع الآراء اتفقت على إن وتيرة العمليات العسكرية التركية في سوريا ستتباطأ بينما سيزداد وتيرة عمليات طرد اللاجئين السوريين.

وفي حال بقاء أردوغان في الحكم، يتوقع أن تتباطأ وتيرة التطبيع مع الأسد ويبدأ برفع سقف مطالبه من دمشق، فتسريع العملية خلال الأشهر السابقة كان عبارة عن ورقة انتخابية أراد إخراجها من يد المعارضة، كما يرى الغالبية أنه سيستمر بالتضيق على اللاجئين من أجل تسهيل عملية الفرز بحيث يتم الإبقاء على رؤوس الأموال ويقوم بترحيل البقية.


الخلاصة.

 

قبل أيام قليلة من الانتخابات ، يبدو أن التحالفين يتمتعان بفرص متساوية تقريبًا في الفوز، هناك ميل قوي للاعتقاد بأن أردوغان لن يتنازل عن السلطة بسهولة وقد يستخدم أي وسيلة ، بما في ذلك تزوير الانتخابات ، إذا شعر أن لديه فرصة ضئيلة في الفوز. في حالة الهزيمة نشهد تكراراً لمشهد هزيمة ترامب ورفض نتائج الانتخابات، قد نرى أيضًا تدخل من الجيش لصالحه وخاصة أن لديه سيطرة كبيرة على الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى، أو قد نشهد انقلاباً عسكرياً جديداً.

bottom of page